وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ مع استمرار تداعيات الحرب وتعدّد الجبهات المفتوحة أو المعلّقة، تبدو "إسرائيل" قد دخلت فعلياً مرحلة الحراك الانتخابي. فالمشهد الداخلي، وإن كان متأثراً بشدّة، لم يعد محكوماً لمنطق الحرب وحده، بل أخذ يتجه تدريجياً نحو أسئلة الداخل: القيادة، مصير نتنياهو، شكل الخريطة الحزبية المقبلة. ورغم أنّ نتنياهو لا يزال اللاعب المركزي في الحياة السياسية الإسرائيلية، فإنّ موقعه لم يعد مريحاً، على الأقل في استطلاعات الرأي؛ إذ لم تتحوّل الحرب إلى تفويض شعبي واضح، ولم تجلب نصراً جزئياً أو مطلقاً في أيّ من جبهات الحرب من غزة إلى إيران مروراً بلبنان إضافة إلى اليمن، فيما يواجه الليكود توتراً داخلياً وقف أمام مخاطر انشقاق جديد.
نتنياهو محور انقسام عمودي
رغم استمرار تداعيات الحرب وبقاء عدد من الجبهات مفتوحاً أو معلّقاً، يشير الحراك الداخلي في "إسرائيل" إلى أنّ الأحزاب، على اختلاف توجّهاتها ومشاربها، دخلت بقوة في أجواء انتخابية. فالحرب التي هيمنت على الخطاب العامّ خلال الأشهر الماضية لم تعد العامل الوحيد المحدِّد للمزاج السياسي الداخلي، وإن كانت مؤثّرة فيه بقوة، إذ بدأ النقاش يتحوّل تدريجياً نحو الانتخابات المقبلة، ومصير بنيامين نتنياهو، وشكل الخريطة الحزبية التي قد تفرزها صناديق الاقتراع.
في قلب هذا المشهد، يتصدّر وضع رئيس الحكومة وزعيم حزب الليكود، بنيامين نتنياهو، النقاش السياسي والإعلامي. فهو لا يزال الشخصية التي تشكّل معياراً للانقسام العمودي داخل "إسرائيل"، وفق معادلة تبدو للوهلة الأولى بسيطة: مع نتنياهو أو ضدّه. غير أنّ هذه المعادلة تنطوي على طبقات أكثر تعقيداً؛ فمن جهة، تُسجَّل لنتنياهو -إسرائيلياً حتى لدى خصومه- إنجازات عسكرية كبيرة منذ ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنها مع ذلك لم تتحوّل إلى مكاسب انتخابية واضحة. ومن جهة أُخرى، لا تزال محاكمته الجنائية مفتوحة، فيما يشهد الحزب الحاكم توتراً داخلياً، وتحاول المعارضة إعادة ترتيب صفوفها.
وتشير التقارير الإعلامية إلى أنّ "إسرائيل"، قبل أشهر من انتخابات الكنيست السادس والعشرين، المقرّرة رسمياً في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ما لم تنزلق الأمور إلى انتخابات مبكرة، تعيش فعلياً أجواء معركة انتخابية مبكرة، تتداخل فيها حسابات الحرب مع أزمات القيادة وصراعات الأحزاب.
الليكود: توترات داخلية ومخاطر انشقاق
على الرغم من عدم وجود منافس جدّي لنتنياهو داخل حزب الليكود، فإنّ الحزب لا يبدو في حالة استقرار. فقد أثارت نيّة نتنياهو حجز عدد كبير من المقاعد في قائمة الحزب المقبلة حالة من القلق، خصوصاً مع الحديث عن رغبته في ضمان ما يصل إلى عشرة مرشّحين من اختياره الشخصي، في وقت تمنح فيه استطلاعات الرأي الليكود نحو 25 إلى 27 مقعداً فقط. وهذا يعني، عملياً، تقليص فرص عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست الحاليين في الوصول إلى مواقع مضمونة.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تشكيل الليكود بصورة أكثر ولاء لنتنياهو. فالأخير يسعى، بحسب تقارير، إلى بلورة قائمة منضبطة تضمّ شخصيات تدين له أكثر بالولاء الشخصي، ولا تملك قواعد قوة مستقلة داخل الحزب. كما أنّ تأجيل مؤتمر حزب الليكود والخلافات حول الانتخابات الداخلية (التمهيدية) يعكسان خشية من أن تكشف الانتخابات التمهيدية حجم الاستياء داخل الحزب، أو أن تفتح الباب أمام صراعات داخلية في توقيت حسّاس. وهو ما يعكس أزمة ثقة بين نتنياهو وكوادر حزبه، الذين يخشون أن تتحوّل القائمة المقبلة إلى أداة شخصية أكثر منها قائمة حزبية تقليدية.
وما يزيد الطين بلّة، الحديث عن احتمال تشكيل حزب يميني جديد يوصف في الكواليس باسم "ليكود ب"، أي حزب يميني رسمي بروح "الليكود القديم". وتكمن أهمية هذا السيناريو، بحسب محلّلين، في أنه لا يستهدف اليسار أو الوسط، بل يتوجّه مباشرة إلى الخزّان الانتخابي المحتمل لليكود. وتُطرح في هذا السياق أسماء مثل جلعاد إردان، وموشيه كحلون، ويولي إدلشتاين، وجميعهم من كوادر الليكود، رغم عدم وجود إطار نهائي معلن حتى الآن.
وقد يجذب هذا الخيار ناخبين من اليمين غير الراضي عن شخص نتنياهو، خصوصاً أولئك الذين يبحثون عن بديل يميني لا ينتمي إلى المعارضة التقليدية المشتّتة، ولا إلى أقصى اليمين الذي يمثّله بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. ويبدو أنّ الليكود نفسه يدرك خطورة هذه الفكرة، إذ فحص استطلاع داخلي سيناريو قيام حزب جديد برئاسة كحلون وإردان.
وعلى صعيد الحرب ونتائجها، تبرز خيبة أمل لدى نتنياهو من أنّ عملية "زئير الأسد" لم تُترجَم إلى ارتفاع ملموس في قوة الليكود. فغزة لا تزال، بحسب توصيف معلّقين، ساحة مفتوحة، وحماس تتعافى وتعيد بناء قدراتها، ولا تبدي نيّة للتخّلي عن سلاحها. أما لبنان فيُقدَّم كمستنقع مضطرب يفرض ثمناً باهظاً، في حين أنّ حزب الله بدوره في طور التعافي والعودة إلى النشاط. وبذلك، لا يستطيع نتنياهو أن يعرض على الجمهور الإسرائيلي صورة نصر حاسم أو تسوية نهائية لأيّ من الجبهات.
معركة نتنياهو الشخصية والسياسية
بعيداً عن مآلاتها القضائية، تشكّل محاكمة نتنياهو واحدة من أبرز قضايا الانقسام في "إسرائيل"، ولا سيما أنها لا تزال مفتوحة على احتمالات متعدّدة، قضائية وسياسية. ويتعقّد المشهد أكثر في ظلّ البُعد الخارجي الذي اتخذته هذه القضية، مع تدخّل مباشر من الرئيس دونالد ترامب، ضاغطاً باتجاه إصدار عفو رئاسي عن نتنياهو، ثم رفض الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ منحه عفواً من دون إجماع.
وترتبط محاكمة نتنياهو أيضاً بنتائج الانتخابات المقبلة؛ إذ إنّ خسارته قد تفتح أمامه سيناريوهات شخصية قاسية، حيث سيُحاكم كـ "مواطن عادي"، من دون حصانة سياسية أو سند جماهيري. ولذلك، تبدو الانتخابات المقبلة بالنسبة إليه معركة سياسية وشخصية في آن واحد: فإما أن ينجح في تحويل ما تبقّى من "إنجازات" الحرب التي يدّعي تحقيقها إلى رصيد انتخابي، وإما أن يواجه محطة قد تكون الأكثر تهديداً لمستقبله منذ عودته إلى رئاسة الحكومة.
وفي هذا السياق، ينقسم الإسرائيليون حيال محاكمة نتنياهو ومثوله أمام القضاء 3 مرات في الأسبوع. فهناك من يرفض جرّ رئيس حكومة يقول أنصاره إنه "يعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط"، و"ينقذ اليهود من خطر الإبادة"، إلى قاعة المحكمة بهذا التواتر. في المقابل، يرى آخرون أنّ نتنياهو بات شخصية غير مؤهّلة لقيادة "الدولة" واتخاذ القرارات المصيرية، في ظلّ الإرهاق والمرض والخضوع المتكرّر للاستجواب. ويغذّي هذا الرأي خطاباً أوسع يشكّك في جدوى استمرار نتنياهو في السلطة وأهليّته، بعد سنوات طويلة قضاها في رئاسة الحكومة على مراحل مختلفة.
تعليقك